نفرتيتي … وجه يحمل ذاكرة أربع حضارات — قراءة في لوحة مايا نده
ليست كل اللوحات تُرى بالعين فقط؛ بعضها يُقرأ كما تُقرأ الكتب، ولوحة «نفرتيتي» للرسامة السورية مايا نده واحدة من هذه الأعمال.
وترى "نده" أن لوحة نفرتيتي ليست مجرد بورتريه لملكة أو شخصية تاريخية، بل هي خريطة ثقافية مرسومة على هيئة إنسان.
في هذا العمل، لا تكتفي مايا نده برسم وجه، بل تبني خريطة حضارية كاملة عبر دمج رموز أربع دول:
- مصر: من خلال ملامح نفرتيتي والتاج الفرعوني والياقة الهندسية الملونة.
- إيطاليا: من خلال دمج شكل الـ Colosseo (الكولوسيوم) في التاج المعماري.
- سويسرا: من خلال الكنيسة ذات القبة/البرج الأخضر على الكتف الأيسر، في طراز أوروبي واضح.
- فرنسا: من خلال الهرمين اللذين يرمزان إلى أهرامات متحف اللوفر في باريس.
وهنا تحاول الرسامة مايا نده إرسال رسالة للمتلقي بأن الحضارات، رغم اختلافها في الزمن والمكان، يمكن أن تعيش معاً في جسد واحد، في هوية واحدة، في رأس واحد يفكر ويتأمل.
تقول نده: "الإنسان هو نقطة التقاء الحضارات، وليس مجرد ابن حضارة واحدة".
قراءة رموز كل عنصر في اللوحة
التاج المعماري – نفرتيتي + الكولوسيوم
- نفرتيتي: رمز للجمال، القوة الناعمة، والحضارة المصرية القديمة، واختيارها ليس عشوائياً؛ هي أيقونة عالمية.
- التاج المعماري: بدلاً من التاج التقليدي، نرى تاجاً يشبه «أفق مدينة» أو Skyline معماري، فيه: شريط ذهبي عمودي: يوحي بالفخامة، الشمس، والخلود.
- عناصر معمارية تشبه الكولوسيوم: هذا يربط بين مصر القديمة وروما القديمة، وكأن التاج يحمل ذاكرة حضارتين عظميين.
تتابع مايا نده: هذا الدمج في التاج بالذات يوصل فكرة أن «الفكر» و«الوعي» مبنيان من طبقات حضارية متراكمة، وأن الرأس الذي يفكر اليوم يحمل آثار آلاف السنين من التاريخ.
الكنيسة ذات القبة/البرج الأخضر – سويسرا والعمارة الأوروبية.
- موضوعة على الكتف الأيسر، وكأنها «عبء جميل» أو «إرث» تحمله الشخصية.
- اللون الأخضر في القبة/البرج يعطي إحساساً بالهدوء، الطبيعة، ويشير إلى سويسرا كبلد جبال وطبيعة ونقاء.
- الطراز الأوروبي في النوافذ والهيكل يوصل رسالة عن:
- الروحانية المسيحية.
- العمارة الأوروبية الكلاسيكية.
- التوازن بين الروح والدنيا.
وجود الكنيسة على الكتف يوحي بأن الإيمان، الروح، والتاريخ الديني جزء من هوية هذا «الإنسان - الحضارة».
الهرمان – متحف اللوفر في فرنسا
- الهرمان هنا لا يبدوان كأهرامات الجيزة، بل أقرب إلى أهرامات اللوفر الزجاجية في باريس.
- هذا الاختيار يربط بين مصر وفرنسا من خلال «الأهرامات» كرمز مشترك، لكن في سياقين مختلفين:
أهرامات مصر = أصل التاريخ
أهرامات اللوفر = متحف يحفظ هذا التاريخ ويعرضه للعالم.
- وضع الهرمين على الجانب الأيمن من اللوحة يعطي توازن بصري مع الكنيسة في اليسار، وكأن اللوحة تقول:
- اليسار: روحانية أوروبا.
- اليمين: فن ومعرفة وتاريخ محفوظ في متحف عالمي.
الياقة المصرية الملونة
- الياقة الهندسية ذات الألوان المتعددة تعيدنا بقوة إلى الهوية المصرية القديمة.
- هي بمثابة «قاعدة» بصرية للشخصية، كأنها تقول: مهما تعددت الحضارات فوق الرأس وعلى الكتفين، الجذر هنا مصري.
الألوان المستخدمة ودلالاتها
حتى لو كانت اللوحة مرسومة بأقلام رصاص وألوان بسيطة، إلا أن اختيار الألوان واضح ومقصود:
- الذهبي/الأصفر في التاج:
- دلالة: الشمس، الملكية، القداسة، الخلود.
- يعطي إحساساً بأن الرأس «مضيء» أو مكلل بالنور الحضاري.
- الأخضر في قبة الكنيسة:
- دلالة: الحياة، الطبيعة، السلام، وسويسرا كبلد أخضر.
- يخفف من ثقل الرموز التاريخية ويضيف لمسة حية وهادئة.
- البني/البيج في الهرمين:
- دلالة: الأرض، الحجر، الثبات، التاريخ.
- يربط بين الماضي والواقع، بين الصحراء والمعمار الحديث (اللوفر).
- ألوان الياقة (أزرق، أحمر، أصفر...):
- دلالة: غنى، احتفال، هوية قوية.
- تعطي إحساساً بأن الشخصية ليست باهتة، بل ممتلئة بالحياة والرموز.
- ألوان البشرة والظل:
- تضيف واقعية ودفء، وتجعل الشخصية إنساناً حقيقياً، لا مجرد رمز.
الرسالة العميقة التي تصل للمتلقي
وفقاً للرسامة مايا نده فإن اللوحة توصل أكثر من رسالة في نفس الوقت:
- وحدة الحضارات:
أربعة بلدان، أربع ثقافات، أربعة رموز معمارية، لكنها تعيش في جسد واحد، في وجه واحد.
كأن الرسامة تقول:
> الهوية الإنسانية اليوم ليست نقية من حضارة واحدة، بل هي مزيج جميل من كل ما ورثناه.
- الإنسان كجسر بين الماضي والحاضر:
نفرتيتي (الماضي العميق) + الكولوسيوم (روما القديمة) + كنيسة أوروبية (القرون الوسطى) + لوفر (الفن الحديث والمعرفة) =
إنسان اليوم الذي يحمل كل هذا في وعيه، حتى لو لم يشعر.
- الفن كمساحة لقاء:
اللوحة نفسها تشبه «مائدة حوار» بين مصر، إيطاليا، سويسرا، وفرنسا.
لا يوجد صراع، بل انسجام بصري ورمزي.
الأثر العاطفي على المتلقي
تضيف الرسامة مايا نده: عندما ينظر المتلقي إلى اللوحة فإنه يشع بجمال الوجه والهدوء في الملامح، ثم يبدأ يكتشف التفاصيل: تاج غير عادي، كنيسة، أهرامات… فيسأل نفسه: لماذا هذه الدول معاً؟ وما الرابط بين نفرتيتي واللوفر والكولوسيوم وكنيسة سويسرية؟
- هذا الفضول هو جزء من قوة اللوحة: "تجبرك أن تفكر، لا أن تكتفي بالنظر".
وهذا ما يجعل اللوحة عملاً مفتوحاً للتأويل، يختلف تأثيره من متلقٍ لآخر بحسب خلفيته الثقافية وتجربته الشخصية.
هكذا تبدو نفرتيتي في رؤية مايا نده: ليست مجرد عمل فني، بل محاولة لإعادة تعريف الإنسان كجسر بين الحضارات، عمل يذكّرنا بأن الهوية ليست قالباً ثابتاً، بل نسيج من الذاكرة والجمال والتاريخ.
Comments
Post a Comment